KFCRIS Logo

مداخلة حول "الأوضاع في اليمن ومتطلبات السلام" في معهد العالم العربي بباريس


تواتر عند العرب مقولة " إن الحكمة يمانية"، وهذه المقولة التاريخية عنت الكثير عبر الإزمان، وهي تعني أكثر في هذه الظروف اليمنية الصعبة. فبالحكمة وحدها سوف يتوصل اليمنيون إلى حلول حكيمة تخرجهم من مأزقهم الحالي وتعيد لليمن العزيز أمنه واستقراره.

لقد اثبت اليمنيون هذه الحكمة عندما انطلق حراكهم السلمي في سنة 2011، إذ توحدوا بغالبيتهم وباختلاف مشاربهم حول شعارات وطنية تريد دولة مواطنة تحفظ وحدتهم وتنتقل بأوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى حال أفضل. وقد نجحوا في فرض التغيير في مؤسسة السلطة بإقل الخسائر لقبولهم جميعاً بالمبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية التي جاءت لمنع انزلاق اليمن إلى ما انزلقت اليه الأوضاع في كل من سوريا وليبيا إذ دمرت البلاد وقتل العباد. لقد دخل اليمنيون جميعاً بناءً على هذه المبادرة في حوار وطني، في ظل شرعية جديدة ارتضوها، وتوصلوا في النهاية إلى توافق وطني يحدد طبيعة الدولة اليمنية الجديدة في ظل عقد اجتماعي جديد كانوا بحاجة إليه.

لقد كان الخروج على هذا التوافق الوطني اليمني من بعض الأطراف التي شاركت في صياغة العقد الاجتماعي الجديد في اليمن وراء كل ما نشهده اليوم في اليمن من صراع وحرب وتدخلات وجوع وموت. لا شك أن الحوثيون وحليفهم الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح كانوا يخفون اجندتهم الخاصة خلال مداولات الحوار الوطني مراهنيين على فشل هذا الحوار، وعندما رأوا التوافق الوطني العام على نتائجة والجدية في تنفيذ هذه النتائج، عادوا إلى حقيقة ما يريدونه وهو منع تنفيذ ما تم التوافق عليه مستخدمين ما لديهم من قوة عسكرية لفرض أمر آخر والانقلاب على الشرعية التي كانوا قد ارتضوها جميعاً، واستغلال ضعف مؤسسات الدولة اليمنية واختطافها إلى حيثما يريدون. وما كانوا يريدونه لم يكن لصالح وحدة وأمن واستقرار اليمن وامن واستقرار الإقليم إذ أراد صالح ضمان عودته أو من يريد لسلطة فقدها، وإراد الحوثيون توجيه اليمن في مسار أيديولوجي طائفي مدعوم من قبل إيران يزيد فرقة اليمنيين وتشرذمهم ويدخل المنطقة في صراع أيديولوجي وطائفي يهدد مستقبل وأمن واستقرار الجوار.

الأخوات والأخوة:

من المعلوم أن السياسية الخارجية للمملكة العربية السعودية تقوم على مبدأ رئيس فيما يخص علاقاتها بالدول المحيطة بها، وهو أن أمن واستقرار هذه الدول سياسياً من أمن واستقرار المملكة، وأن زعزعة هذا الأمن والاستقرار يؤثر مباشرة على أمنها الوطني، ويشكل تهديداً لها. وعليه فإن موقف المملكة نحو التغيرات السياسية في أي من الدول المجاورة يتوقف على ما إذا كانت هذه التغيرات تحقق مزيداً من الأمن والأستقرار أو تقود إلى مزيد من الفوضى وايجاد بيئة سياسية ووضع سياسي غير ودي أو معاد لها. وإذ شكلت اليمن الخاصرة الهشة للمملكة خلال عقود طويلة من الزمن، فقد عملت المملكة وفقاً لهذا المبدأ لضمان أمن واستقرار اليمن وحسب الممكن، وفي الوقت نفسه ضمان الا يكون أي نظام أو قيادة تحكم اليمن في وضع عدائي لها.

ونظراً لأهمية منع انزلاق اليمن نحو الفوضى بما تعنيه من نزاعات وتشطير وحروب أهلية وإرهاب فقد عملت المملكة من خلال المبادرة الخليجية على بدء عملية سياسية يؤمل منها النجاح في عودة اليمن إلى وضع طبيعي تستيطع من خلاله التعامل مع قضاياها الوطنية، وفي الوقت نفسه ضمان إيجاد نظام سياسي يرتضيه الجميع. وإذ اكتمل الحوار الوطني بوثيقة متوافق عليها، كان الانقلاب على هذه الوثيقة يفرض على المملكة العربية السعودية أن تنظر بعمق إلى ما يجري في اليمن من تطورات هذا الإنقلاب ، وفي الوقت نفسه استكشاف كافة الخيارات المتاحة لها للتعامل مع تطورات الأوضاع اليمنية بما يحقق مصالحها ولا سيما مصلحة أمن واستقرار اليمن.

لم يترك الحوثيون وصالح مجالاً للدبلوماسية لتعمل لتجنيب اليمن الحرب التي فرضوها، إذ كانوا ينقلبون على كل اتفاق يوقعونه بما في ذلك اتفاق السلم والشراكة الوطنية لسنة 2014 الذي وقعوه مع السلطة الشرعية وبرعاية الأمم المتحدة. وقد جاء في ديباجة هذا الاتفاق أنه قام "بناء على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل التي توافقت عليها جميع المكونات اليمنية والتي أرست أسس بناء دولة يمنية اتحادية ديمقراطية جديدة مبنية على مبادئ سيادة القانون والمواطنة المتساوية واحترام حقوق الإنسان والحكم الرشيد، والتزاما بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، واستجابة لمطالب الشعب في التغيير السلمي وإجراء إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية وتحقيق الرفاه الاقتصادي، وخدمة للمصلحة الوطنية العليا، وتجسيدا للشراكة والتوافق في التشخيص والحلول والتنفيذ، والتزاما باستقرار البلاد وتحقيق مستقبل ديمقراطي واعد ومشرق، ومن أجل الوحدة الوطنية وبناء السلام وتعزيزه" .

لم يكن أمام الشرعية اليمنية من خيار لمواجهة هذا الانقلاب واستخدام السلاح لخطف الدولة اليمنية إلا الاستعانة بجيرانها واشقائها لوقف هذا التدهور الخطير في الوضع اليمني. واستجابة لهذا الطلب قامت المملكة العربية السعودية التي تعتبر أمن اليمن واستقراره من أمنها واستقرارها، مع الراغبون من اشقائها واصدقائها، بعقد تحالف لمساندة الشرعية في كفاحها لإستعادة الدولة اليمنية.

إن الحرب في اليمن خلال العامين الماضيين ليست حرب ضد اليمن أو اليمنيين، وليست حرب مذهبية أو طائفية ضد فئة أو أخرى، إنها حرب وطنية يخوضها يمنيون ضد من انقلب على خيارهم السياسي ودولتهم الوطنية، والحل كان متاحاً ومفتوحاً منذ البداية إذ كانت مرجعياته موجودة ومتفق عليها وهي المبادرة الخليجية وآلياتها الوطنية ومخرجات الحوار الوطني وهذه المرجعيات مدعومة بمرجعية دولية متمثلة بقرار مجلس الأمن رقم 2216 في شهر إبريل 2015 الذي قد شدد على ضرورة العودة إلى تنفيذ مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآلية تنفيذها ونتائج مؤتمر الحوار الوطني الشامل، بما يشمل صياغة دستور جديد، وإصلاح النظام الانتخابي، وإجراء استفتاء على مشروع الدستور، وتنظيم الانتخابات العامة في موعد قريب، لتفادي حدوث المزيد من التدهور في الحالة الإنسانية والأمنية في اليمن.

وحيث أن خارطة طريق الحل واضحة فإنه من المؤسف تعنت أطراف الصراع لاسيما الحوثيون وصالح في مواقفهم التي تحاول الالتفاف على هذه المرجعيات الواضحة والعادلة أيضاً مما يزيد من استمرار معاناة اليمنيين. كل صراع سينتهي بحل سياسي مقبول، وحيث إن الحل السياسي في اليمن واضح المعالم فإن من يقف ضده بمرجعياته يبقى المسؤول الأول عن المعاناة اليمنية.

الأخوات والأخوة:

إن القبول بمرجعيات الحل السياسي واستعادة الدولة اليمنية في ظل الشرعية الباقية هو الطريق الوحيد لعودة اليمن إلى وضع طبيعي يسمح لليمنيين بالتفاوض من جديد فيما بينهم، إن إرادوا، لتعديل أو تبني خيارات جديدة في عقدهم الاجتماعي، والبدء في بناء الدولة اليمنية الجديدة العادلة والمستوعبة لكل اليمنيين بطموحاتهم وتطلعاتهم، الخالية من إية مليشيات خارج سلطة الدولة الجديدة إذ لا دولة حقيقية في ظل وجود قوى خارج سلطتها. وفي هذا السياق فعلى أن دول التحالف العربي ولا سيما المملكة العربية السعودية وشقيقاتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي أن تقوم حال استعادة الدولة وعودة الشرعية وانتهاء كل تداعيات هذا الإنقلاب المدمر لضمان مستقبل واعد لليمن بالأتي:

- الالتزام بدعم الدولة اليمنية التي توافق اليمنيون على طبيعتها لبسط سلطتها على كل الأراضي اليمنية وذلك بتعزيز قدراتها الأمنية والعسكرية والاستخبارية. إن الاكتفاء بعودة الدولة والشرعية وتركها لمصيرها سيكون أمر كارثي ولنا ما جرى في أفغانستان عبرة إذ تخلى عنها العالم بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي فقاد إلى ما نشهده في أفغانستان من إضطراب حتى يومنا هذا

- الالتزام ببدء عملية الأعمار مباشرة ومعالجة تداعيات هذه المرحلة المدمرة، وتوفير كافة سبل الدعم المالي والاقتصادي ليعود الاقتصاد لليمني للعمل بصورة طبيعية والعمل على تكامله مع اقتصادات دول الخليج.

- ضم اليمن لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولو تدريجياً، وإكسابه العضوية الكاملة فيه فأمن دول المجلس واستقرارها من أمن اليمن واستقراره.

- إعطاء اليمن أولوية في الاستثمارات الخليجية، وإعطاء اليمنيين أولوية في فرص العمل في كافة دول الخليج العربية.

 

الأمير تركي الفيصل

الاشتراك في النشرة الإخبارية

تتضمن النشرة الإخبارية على مقالات أخر الإصدارات، والمشاريع البحثية، والفعاليات

اتصل بنا

مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية
صندوق البريد: 51049
الرياض 11543
المملكة العربية السعودية
رقم الهاتف: 00966114652255
رقم الفاكس: 00966114659993
البريد الإلكتروني: publish@kfcris.com

جميع الحقوق محفوظة لمركز الملك فيصل © 2017